بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كثيراً على مننه وفضائله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده شهادة مؤمنٍ بآياته ودلائله، وأشهد أن محمدًا خير البشر على ممر الزمن منذ أوائله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه وآله، وبعد:
فإن فريضة المعرفة تندب ممن ملك أهليةً يستوفي بها حسن الأداء لما تلقاه من العلوم أن يحملها إلى غيره على بساط المشافهة أو وعاء التحرير، ولا ريب أن الحرف بما ينقله من تعبير أضحى رسولاً شاهدًا وبليغًا للجموع سائدًا، وهو في نسج حديثه ونبع عطائه آمن وأحكم مما تتفوه به الألسن، وحجته ألحن وأوعى.
القراء الأكارم ..
إن مشروع هذه المجلة في عددها الرابع ينتقل بهذا المحتوى التثقيفي من ضيق المحيط إلى سعة الكون، يصل إلى مظان الإفادة؛ ليكون لها بين الناهلين وجادة، ويبسط صفحات جديدة تعرض الموضوعات المتفرقة التي تُعنى بالشأن القضائي بأقلام المتخصصين، يحررها بإحكام، ويقوم بها خير قيام، وينشرها بانتظام، وينوع مطارق الحديث فيها؛ لئلا ينال الذائقة السأم.
أيها القارئ العزيز..
إننا في هذه الرياض المزهرة ننشد أن نكون أداةً عاطفة بين القضاء والمهتمين به من الكتّاب والقرّاء، ومترجماً أميناً ناقلاً للغة البحثية المتخصصة من ساحة الخصومات إلى باحة الثقافات، نحرّك الأقلام التي جفّت أحبارها؛ لتنفض عنها غبارها، ونذكي المسائل المهمة بشعلة من استنهاض الهمة، ونعلم أن مداد المقروء المتخصص له وميضه، وحبره المسكوب في هذه الدروب بالوعي يُفيضه.
وفي هذا العالم الناضح بالمرجعيات المدوّنة يظل العوز إلى الإثراء العلمي المتخصص حاجة قائمة وإن تعددت المنصّات التواصلية في ذلك، ولا تزال المراجع العلمية والجهات الأكاديمية تزفُّ مجلاتها المحكّمة، ويبقى النشر المتواصل لمنشطها الكتابي سمة.
قارئنا الكريم..
إن رؤيتنا عبر المجلة لا تَني عن تحقيق الأهداف التشاركية التي ترث عطاءً للقرّاء يُشاكل أذواقها، نعرّج من خلالها إلى جليل العلوم، ونعقد الصداقات لصفقاتٍ غنيمتها مكاسب الفهوم؛ لنعثر من منجم الكنوز على أثمنها، فتُناخُ لركابها الأقلام، ونزيل عن المسائل العملية اللثام، وفي الكتابة وفاءٌ للمُتَلَقى، وشأو الكاتب جد عظيم، فليس من الصنائع صناعة تجمع الفضائل إلا الكتابة.
وإن من منة الله التي نحمده عليها في المملكة العربية السعودية شموخ القضاء واستقلاله، وتماهياً مع هذا الأفق السامي لسياسة القضاء في هذه البلاد، والتي تهب مساحة لبذل الوسع في بلوغ العدالة وتلمس الحقيقة، كان بسط هذه المساحة حقت جناح من أجنحة القضاء في بلادنا توسلاً للغاية العظيمة مغنماً رابحاً ومشهوداً، ليسر جانبٌ منها شُدَاة المنهج السديد والنظر الرشيد، وهي رافدٌ لنهر الوصل الساعي في جداول التطوير والترقي لمناحي السير في المرفق القضائي الذي ترعاه القيادة الحكيمة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز أدام الله عزهما، وجزاهما عما يوليانه لمرافق القضاء من اهتمام ورعاية خير الجزاء.
إننا ومن خلال صفحات هذه المجلة نتمم مسيرة خدمة القضاء عبر نشر أحكامه وتلمس حاجياته العملية، فبسط القول في علم الأقضية مسارٌ ذو اتجاهين؛ أولهما: ما تكشفه الأحكام الفاصلة التي هي كما توصل الحقيقة للخصوم فإنها تنقلها لمن وراءهم، وثاني الاتجاهين: يكون بطرح مسائل الخصومات القضائية على مائدة المتخصصين؛ ليملوا فتاواهم وآراءهم العلمية والقانونية حولها، وإذ نسير نحو هذا الاتجاه فإننا ننشد العدالة أينما حلّت، وكيفما بها الألسن تفوهت، فالحق ضالة أينما وجدت أُخذت، وليس من خُلق الباحث عن الحقيقة أن يأنف عن تحصيلها من أي سبيل.
ولذا كانت فريضة العلم وفرضية الإدراك لازمتان في طريق الوعي، والإثراء في ذاك عبر الدراسات والمقالات تبني التأصيل وتكشف الدليل وتنير السبيل، والقضاء في ديوان المظالم برمته إنما يجهد ويسعى لتوفير البيئة القضائية الملائمة والمعينة على جودة المخرجات، وبقدر مواكبة التغيرات تكون السلامة والنجاح أقرب.
وإن يُثبت القلم في ذيل هذه الأسطر من شيء؛ فإنه ليحكي الواقع الرائع الذي تعيشه بلادنا بحمد الله تعالى من سمو القضاء وتطوره وسيل منابعه بما يروي ويكفي بحول الله، والشكر يُزجى بعد شكر الله للمقام الكريم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين على الدعم الدائم وغير المحدود لمرافق القضاء وأعماله، ثم إني أبث امتناني للزملاء العاملين في الهيئة الإشرافية بهذه المجلة على جهودهم الملموسة، وألقي التحية والشكر للمساهمين في محتوى هذا العدد منها، سائلاً الله أن يرينا الحق ويرزقنا اتباعه، وأن يعمر لحظاتنا بالمفيد، ويكتب لنا في دنيانا وآخرتنا الحظ السعيد.
رئيس الهيئة الإشرافية على مجلة ديوان المظالم
د. خالد بن محمد اليوسف