الحمد لله الذي أقام الكون بميزان القسط، وأرسى دعائم الحق، وجعل العدل منارةً يهتدي بها السالكون، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على من بُعث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، الذي أرسى معالم الشريعة السمحاء، وأنار سبيل العدالة، وعلى آله وصحبه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد..
فباعتزازٍ وفخر، تواصل مجلة ديوان المظالم مسيرتها العلمية الرائدة، وتُشرق شمس عددها الخامس لتُضيف إلى صروح المعرفة القانونية لبنةً جديدة؛ فمنذ انطلاقتها الأولى، أخذت المجلة على عاتقها أن تكون رافدًا معرفيًا أصيلاً في فضاءات البحث القانوني والقضائي، حاملةً رسالة ديوان المظالم السامية، ومجسّدةً رؤيته الطموحة في إرساء العدالة وصون الحقوق.
إن مجلة ديوان المظالم ميدان رحب تتلاقى فيه جِدّة الباحثين، وخبرة الممارسين من أصحاب الفضيلة القضاة ونخبة المتخصصين، وبفضل هذا التضافر، تبوأت مكانتها مرجعًا رصينًا يُسهم بفاعلية في إثراء الفكر القانوني، في مواكبٍ للمستجدات التشريعية والقضائية، وسعيٍ للإسهام في صناعتها وتأصيل مفاهيمها.
وفي خضم النهضة التشريعية الشاملة التي تشهدها المملكة العربية السعودية؛ بزغ فجر نظامٍ قضائيٍّ فريد في بنيانه، متفرّد في غاياته، أحدث نقلةً نوعيةً في منظومة القضاء الإداري، ألا وهو نظام التنفيذ أمام ديوان المظالم، الصادر بالمرسوم الملكي الكريم رقم (م/15) وتاريخ 27/1/1443هـ. لقد جاء هذا النظام تتويجًا لمسيرة العدالة، واستجابةً لضرورةٍ مُلحّةٍ لتمكين القضاء الإداري من بسط سلطانه على تنفيذ أحكامه، تأكيدًا لسيادة القانون، وضمانًا لوصول الحقوق إلى أهلها دون عناءٍ أو تأخير.
ومنذ أن انطلقت أعمال محكمة التنفيذ الإدارية بموجب قرار مجلس القضاء الإداري المؤرخ في 16/12/1444هـ، انقضى ما يقارب العامين، وهي فترة كافية لرصد ملامح هذه التجربة الوليدة وتقويم مسارها وتوثيق إنجازاتها المشهودة.
وانطلاقًا من هذه الأهمية البالغة، ووفاءً برسالة المجلة في معالجة القضايا الجوهرية ذات الأثر المباشر في الممارسة القضائية، يأتي هذا العدد الخامس حافلاً بزادٍ علميٍّ رصين، فقد حوى بين دفتيه دراساتٍ معمّقة، وأحكامًا قضائيةً مُلهمة، ومقالاتٍ علميةً محكّمة، تناولت نظام التنفيذ أمام ديوان المظالم ولائحته التنفيذية بالتحليل، والتأصيل، والتطبيق، من جوانب متعددة، سعيًا نحو تعميق الفهم، وإثراء المعرفة، ودعم الممارسة القضائية والنظامية الرشيدة.
وإننا لنأمل أن يكون هذا العدد، بما يزخر به من مادةٍ علميةٍ قيمة، إسهامًا فاعلاً في تحقيق أهداف ديوان المظالم الاستراتيجية، وإضافةً نوعيةً لسجل المجلة الحافل بالعطاء، ومَعيناً لا ينضب للباحثين والممارسين، وسندًا معرفيًا لكل ساعٍ إلى ترسيخ دعائم الإنصاف.
وفي الختام، نرفع أكف الضراعة إلى المولى عزّ وجل أن يكلل هذا الجهد بالقبول والتوفيق، وأن يجزي القائمين عليه خير الجزاء، وأن يديم على وطننا الغالي نعمة الأمن والأمان، والعدل والرخاء، في ظل قيادةٍ حكيمةٍ جعلت العدل غايتها، والازدهار سبيلها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
فضيلة رئيس هيئة تحرير مجلة ديوان المظالم
د. عبدالمحسن بن محمد المعيوف